المشاركات

حالة اكتئاب

صورة
لم تعد تعني هذه الحياة شيئًا، أعتقد أني معتل، مكتب كئيب، لم يعد الآخرون يسعدون برفقتي كما اعتادوا في السابق، كنت الشخص الذي لا يُمل من مجالسته والاستماع لأحاديثه الشيقة المليئة بالتلميحات والإشارات التي لا يفهمها الكثير ممن يستمعون لي لأول مرة. أصبحت متشائمًا لا أعرف للتفاؤل طريق، أصبح كل شيء أسود في عيني الصغيرة، عيني التي رأت القبيح والمهين والمُخجِل. لم أعد أستمتع بقهوتي الصباحية، قهوتي السوداء التي أحبها متوسطة المرارة، لا تختلط بسكر ولا بحليب من ثدي بقرة حُرمت من صغارها لأهداف تجارية ممن ينتسبون لجنس البشر التعس الخسيس. كنت أطرد نعاسي عندما يسري هذا المشروب الأسود في حلقي، عندما تتعانق جزيئات الكافيين في المستقبلات الحسية في عقلي المهترئ. أشعر برغبة في البكاء، أريد أن أبكي حتى يجف كل سائل في جسدي النحيل، أريد أن أجهش في البكاء حتى يسمعني الميت، فيحزن على حالي، ويشفق عليّ، ولكن للأسف أن قنوات عيني الدمعية تأبى وتستكبر وتتمرد وتعلن العصيان. لم أعد اكترث لما ألبسه وما سآكله في وجبتي القادمة، وبالحديث عن الوجبات، لم تعد لي شهية مطلقًا، خسرت الكثير من الوزن، حتى...

صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الثالث-

صورة
طلبت من الطبيب أن يأذن لي في أخذ ساعة من نهار أتجول فيها خارج أسوار المشفى، علّها تخفف عليّ من الملل الذي بدأ يدُّب في أحشائي ويجري في شراييني مجرى الدم. بعد ثوان من تفكير صامت، وضع الطبيب سبابته وابهامه الأيمن على أسفل ذقنه وكأنه يخوض في تفكير ويحسب المخاطر من البقاء خارج المشفى لوقت قصير. "حسنًا، لا بأس لكن عليك الالتزام بقواعد السلامة التي اتفقنا عليها مسبقا لكيلا تصاب بأي التهاب فيروسي فهو في حالتك سيكون مصاحب بمضاعفات ربما لا تكاد أن تتحملها". هززت رأسي بابتسامة موافقه لحديثه. لا أعلم لماذا هذه الحرص المبالغ فيه، أكاد أجزم بأن كثير من بروتوكولات وأنظمة المشفى هي احترازية أكثر من كونها مبنية على أدلة وحقائق، لا يهمني، المهم أني سأخرج خارج هذا القفص الذي تنبعث منه رائحة المنظفات الكيميائية أزقته، والإنارة البيضاء الناصعة سقفه وأرجاؤه. لبست الجينز المفضل لدي، أزرق اللون يميل إلى أن يكون غامقًا أكثر من كونه باهتًا، أملك هذا الجينز من عدة سنوات لم يؤثر عليه مرور السنوات سوى بعض آثار التمزق في أسفله من الجزء الخلفي، ربما قد تكون نتاج خطوات كان هذا الجزء هو الفاصل بين حذا...

صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الثاني-

صورة
صباح جديد، بشكل بطيء أفتح جفني عن تلك العينين الباهتتين والألم لازال في عيني اليسرى التي أصبحت تتصرف بشكل مستقل وتقوم بحركات غير منتظمة تكون في أقصاها عندما يفصحني الطبيب باستخدام حركة يديه والكشاف المعلق في معطفه الأبيض الطويل. أول ما أرى أمامي عندما أفتح عيني في هذه الغرفة صورة الطفل الصغير ذو العرق الأبيض، ربما من أصول أوروبية عمره لا يتعدى السنة ليس عليه أي ملابس تغطي جسده الناعم يجلس على بساط أبيض في وسط حديقة عشبية خضراء. كم أحسد ابتسامته البريئة، لم يبلغ عمرا حتى يتعلم كيف يبتسم ابتسامه صفراء، ابتسامته نقية طاهرة وكأنها مرآة تعكس ما يجول في خاطره. بجانب هذه الصور ساعة دائرية الشكل، حوافها باللون الأسود وبساطها باللون الأبيض، والأرقام العربية من واحد إلى اثني عشر. سألت نفسي لماذا تستخدم الشكل الهندسي – الدائرة – لصنع الساعات؟ ربما لما في داخل هذه الساعات من سندانات بشكل مرتبة بشكل منتظم لتكون دائرة تحتل الجزء الذي لا يُرى من الساعة، أو لاستغلال المساحة المفرغة من الدائرة. تخيل لو أن الساعة بشكل مستطيل أو مربع أو معين، قد يبدو شيء شاذ لم نعتد عليه، كما لو أنك تتخيل أن التل...

صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الأول-

صورة
أستيقظ في الصباح على صوت قرع الباب المنتظمة، الممرضة التي تحمل في يدها علبة صغيرة شفافة اللون تحوي الكثير من العلاجات المتخلفة والمتغايرة في اللون والشكل، وفي يدها الأخرى تحمل مغذيا وأحد أصابع يدها التي تحمل المغذي تعلق دفتر الملاحظات التي تسجل فيه العلامات الحيوية من ضغط الدم، ونبض القلب ومستوى الأوكسجين في الدم وغيرها من العلامات التي تؤكد أن المريض لا زال على قيد الحياة. أجلس بزاوية سبعين درجة على السرير الذي سبقه العشرات غيري في الجلوس عليه، بعض منهم لم يستطع أن ينهض منه على قيد الحياة، علامات الملل والحزن تسبح في وجهي وأنا أحاول أن أسلي نفسي بالنظر في عقارب الساعة التي تبدو بطيئة جدًا ولا تكاد تتحرك عقارب الثواني إلا بعد عدة دورات من الشهيق والزفير. أبدل النظر من الساعة الكئيبة إلى الممرضة التي تقف بزيها الأبيض وتعلو محياها ابتسامة لا تبذل فيها مجهودا سوى تحريك عضلتين من عضلات الوجه. بعد أن تهنئه بصباح الخير، تسلمني عدد لا يحصى من العلاجات التي تكاد تخفي كفي من عددها وتعدادها. كالعادة أجد صعوبة في بلع بعض الحبوب وفي كل حبة أبلعها أقوم بإطلاق عبارات الضجر وندب الحظ الذي ان...

سمفونية الوداع الحزينة

صورة
هي مشاعر مختلطة بين حزن وحزن وحزن!، حزن فراق، حزن وحدة، وحزن رغبة في البقاء مع من أحب فترة أطول!. كانت الدموع هي التي ودعتني، كان البكاء هو السمفونية التي تعزف ألحانها ولا أكاد أسمع إلا صداها! تبًا، لماذا وُجد الفراق؟ لماذا لا نستطيع البقاء سوية إلى ما لا نهاية، أو إلى نهاية نكون فيها سُعداء!، ولا بأس أن لا نكون سُعداء، لكن نكون على رضى واتفاق بهذا الفراق اللعين! خُلق ليُبكي، وُجد ليُحزن، وكأنه يعلن أن "الحزن" و "البكاء" هن بناته اللاتي لا يستطيع أن يفترق عنهن! تبًا لك أيها المتناقض! كثرة التعرض لمشاهد الوداع تجعل من القلب إما جريحًا ينزف أسًا ويتجرع مرارة، وإما إلى قلب صلب لا يملك مشاعرًا ولا يعي معنى! والفائز من كان بين الاثنين!، فدائما الوسط هو الصواب، في كل الأمور وفي كل شيء. ربما لهذا السبب أصبحت أكره المطارات، تلك الأماكن التي تملؤ ممراتها دموع الحزن والفراق في صالات الذهاب، ودموع الفرح في صالات العودة، صالتين لا يفرق بينهما إلى دور واحد في أغلب المطارات. أعتقد أنه من المفترض أن تكون المطارات ذات تصميم واحد مصمت، وجدرانه باللون الأسود، وكذل...

سمفونية الوداع وعلاقتها بالدين

صورة
هي مشاعر مختلطة بين  ثلاثة أحزان!، حزن فراق، حزن وحدة، وحزن رغبة في البقاء مع من أحب فترة أطول!. كانت الدموع هي التي ودعتني، كان البكاء هو السمفونية التي تعزف ألحانها ولا أكاد أسمع إلا صداها في جدران كئيبة لم ترى ابتسامة قط!. تبًا، لماذا وُجد الفراق؟ لماذا لا نستطيع البقاء سوية إلى ما لا نهاية، أو إلى نهاية نكون فيها سُعداء!، ولا بأس أن لا نكون سُعداء، لكن نكون على رضى واتفاق بهذا الفراق اللعين! خُلق ليُبكي، وُجد ليُحزن، وكأنه يعلن أن "الحزن" و "البكاء" هن بناته اللاتي لا يستطيع أن يفترق عنهن! تبًا لك أيها المتناقض! كثرة التعرض لمشاهد الوداع تجعل من القلب إما جريحًا ينزف أسًا ويتجرع مرارة، وإما إلى قلب صلب لا يملك مشاعرًا ولا يعي معنى! والفائز من كان بين الاثنين!، فدائما الوسط هو الصواب، غالبًا في كل الأمور، في الدين والفلسفة والعلم والأدب، قاعدة أبدية: “لا إفراط ولا تفريط”. كيف السبيل للتغلب على قسوة الوداع، كيف نكون قوى من الفراق، أشد من الحزن، أقسى من البكاء، البكاء الذي هو للأطفال كما كانوا يقولون لنا عندما كنا صِغَارًا، هل كانوا يعتقدون أننا ب...

نحتاج إلى إيقاظ "حي" الذي بداخلنا.

صورة
أنهيت قراءة كتاب “حي بن يقظان” للكاتب العربي الأندلسي ابن الطفيل، كانت من روائعه بالفعل، فيها تخليص لما كانت عليه الفلسفة الإسلامية آنذاك، وفيه أيضًا مقدمات لكثير من العلوم التي كانت مفاتحها مبعثرة في ذلك العصر. هي باختصار قصة طفل ولد لأب وأم تزوجا سرًا خوفًا من غضب شقيق الأم الحزينة التي ألقت بفلذة كبدها إلى تابوت في عرض البحر، لتتلقفه الأمواج إلى جزيرة نائية، فيما ينمو “حي” ويكبر حتى يصل إلى مرحلة “التساؤل”.  من فطرة الإنسان أن يسأل عن وجود ما حوله من كائنات ومخلوقات، هذا التساؤل يكون بعد تفكر وتمعن حتى لا يلبث أن يسوق هذا التساؤل إلى تساؤل آخر أشد تعقيدًا من الذي قبله، وأصعب حلًا مما سبقه من تساؤلات. اكتشف “حي” مفاتيح كثير من العلوم، كعلم التشريح، وعلم الفلك، وعلم الفيزياء، وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على عبقرية الكاتب الذي توصل إلى هذه الأمور في ذلك العصر القديم “نسبيًا” بهذه العلوم، كان العرب والمسلمون بالفعل قادة العلم والعلوم. في قصة حي بن يقظان دعوة إلى التأمل، دعوة إلى الخلوة بالذات، وإلى تدبر الأشياء من حولنا، وصل "حي" إلى مرحلة من...