صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الأول-



أستيقظ في الصباح على صوت قرع الباب المنتظمة، الممرضة التي تحمل في يدها علبة صغيرة شفافة اللون تحوي الكثير من العلاجات المتخلفة والمتغايرة في اللون والشكل، وفي يدها الأخرى تحمل مغذيا وأحد أصابع يدها التي تحمل المغذي تعلق دفتر الملاحظات التي تسجل فيه العلامات الحيوية من ضغط الدم، ونبض القلب ومستوى الأوكسجين في الدم وغيرها من العلامات التي تؤكد أن المريض لا زال على قيد الحياة. أجلس بزاوية سبعين درجة على السرير الذي سبقه العشرات غيري في الجلوس عليه، بعض منهم لم يستطع أن ينهض منه على قيد الحياة، علامات الملل والحزن تسبح في وجهي وأنا أحاول أن أسلي نفسي بالنظر في عقارب الساعة التي تبدو بطيئة جدًا ولا تكاد تتحرك عقارب الثواني إلا بعد عدة دورات من الشهيق والزفير. أبدل النظر من الساعة الكئيبة إلى الممرضة التي تقف بزيها الأبيض وتعلو محياها ابتسامة لا تبذل فيها مجهودا سوى تحريك عضلتين من عضلات الوجه. بعد أن تهنئه بصباح الخير، تسلمني عدد لا يحصى من العلاجات التي تكاد تخفي كفي من عددها وتعدادها. كالعادة أجد صعوبة في بلع بعض الحبوب وفي كل حبة أبلعها أقوم بإطلاق عبارات الضجر وندب الحظ الذي انتابني وانتهى بي المطاف على هذا السرير الأبيض.


بعد التأكد من العلامات الحيوية وتعليق السوائل والمغذيات التي تجري في أوردتي مجرى الدم كون أني لا يستطيع أن يوفي حاجة جسمي الهزيل من السعرات الحرارية لكي تبقيني على قيد الحياة. الحياة لم تعد مغرية بالنسبة لي، كل شيء لم يعد له طعم، الطعام الذي حتى من خارج المشفى، لم أعد أستسيغه، ولا أستطيع أن أكمل أكثر من ربع الطبق الذي يقبع في حضني على سرير بدأ يلتصق فيه عظمي. يأتي الطبيب بعد ساعات انتظار، يسلم عليه بابتسامه لا تكاد تختلف عن الابتسامة التي كانت على محيا الممرضة السابقة، ولكي يظهر للمريض أن متعاطف مع حالته، يقوم بالجلوس على السرير وفي مستوى مواز لارتفاع العينين، يقوم بشرح الحالة الصحية الحالية له، ولا يكاد يخلو كلامه من الكثير والكثير من المصطلحات الطبية التي تزيدني تيها وضجرًا مما أنا عليه. خلال دقائق من الكلام الذي لم أفقه منه إلا كما أكملت من وجبتي السابقة، يترك الطبيب الغرفة وأعود لمراقبة عقارب الثواني التي أصبحت تتصرف كأنها عقود من الزمن.

يتبع

تعليقات

  1. للاسف هذا الروتين اليومي للعامل بالكادر الصحي ، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين والهمهم الصبر والاجر

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سمفونية الوداع الحزينة

مستجدات :) ..

صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الثالث-