صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الثالث-


طلبت من الطبيب أن يأذن لي في أخذ ساعة من نهار أتجول فيها خارج أسوار المشفى، علّها تخفف عليّ من الملل الذي بدأ يدُّب في أحشائي ويجري في شراييني مجرى الدم. بعد ثوان من تفكير صامت، وضع الطبيب سبابته وابهامه الأيمن على أسفل ذقنه وكأنه يخوض في تفكير ويحسب المخاطر من البقاء خارج المشفى لوقت قصير. "حسنًا، لا بأس لكن عليك الالتزام بقواعد السلامة التي اتفقنا عليها مسبقا لكيلا تصاب بأي التهاب فيروسي فهو في حالتك سيكون مصاحب بمضاعفات ربما لا تكاد أن تتحملها". هززت رأسي بابتسامة موافقه لحديثه. لا أعلم لماذا هذه الحرص المبالغ فيه، أكاد أجزم بأن كثير من بروتوكولات وأنظمة المشفى هي احترازية أكثر من كونها مبنية على أدلة وحقائق، لا يهمني، المهم أني سأخرج خارج هذا القفص الذي تنبعث منه رائحة المنظفات الكيميائية أزقته، والإنارة البيضاء الناصعة سقفه وأرجاؤه. لبست الجينز المفضل لدي، أزرق اللون يميل إلى أن يكون غامقًا أكثر من كونه باهتًا، أملك هذا الجينز من عدة سنوات لم يؤثر عليه مرور السنوات سوى بعض آثار التمزق في أسفله من الجزء الخلفي، ربما قد تكون نتاج خطوات كان هذا الجزء هو الفاصل بين حذائي والأرض التي كنت أمشي عليها بكل أريحية. تبًا، لا يكاد يمر دقيقة دون أن أتذكر الماضي، وكأنه قيود تحيط كاحلي وتزيد من تمزق الجينز المفضل لدي! أتممت اللبس في عجل وذهبت إلى محطة الممرضات في الجناح لسؤالهم عن أقرب مقهى أستطيع قضاء بعض الوقت فيه، لعلي أستطيع أن أتذوق قهوة لم أطعمها منذ ما يقارب الأسبوعين. أشاروا عليّ بمقهى لا يبعد سوى دقائق مشيا على الأقدام. توجهت إليه استغلالًا للمهلة القصيرة -نسبيا- المسموح لي بالبقاء خارج المشفى.

يقع المقهى على زاوية شارعين، المبنى قديم ربما أنشأ في الثمانينات الميلادية العقد الأكثر إثارة في القرن العشرين، عقد كان مليء بالاكتشافات التقنية، و بزوغ عصر الحاسبات وتمكين عامة الشعب من الحصور على جهاز حاسوب ذا قدرة حسابية كانت في ذلك الوقت مبهرة، ظهور تطبيقات على أرض الواقع لنظريات فيزيائية كانت دفينة الكتب، إطلاق مكوك الفضاء كولومبيا لاستمرار البحث في أرجاء الكون الفسيح، اغتيال أنديرا غاندي رئيسية وزراء الهند على يد الحراس الشخصيين، هدم جدار برلين ليكشف الغطاء عن أقوى دول العصر الحديث اقصادً وسياسة. ظهور المريض الغامض، والذي يسبب بنقص حاد في المناعة مما يؤدي إلى الإصابة بأمراض لا تُرى إلا في الأشخاص الذين لا يكادون يملكون سوى عشرات أو مئات من الخلايا المناعية التي نشأت في نخاع العظم لتحارب البكتيريا والفيروسات. احتفلت الولايات المتحدة الأمريكية بالرئيس الأربعين رونالد ريغان، الفتى الذي هاجرت عائلته في أوقات الكساد الكبير الذي غير مجرى الاقتصاد في العالم، رونالد ريغان صاحب الشخصية الجادة المرحة، قد يكون في دخوله مجال التمثيل أثناء ريعان شبابه الجزء الأكبر في تشكيل شخصيته بهذا الشكل. كان ذلك العقد الأكثر دموية خاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث استمرت أطول الحروب في القرن العشرين، الحرب العراقية الإيرانية والتي كانت نتائجها خسارة ملايين الأرواح، ومليارات الموارد وتغيير جذري في المنطقة.

نعود إلى المقهى، ربما أحتاج إلى بعض الكافيين ليوقظ الشيطان الصغير الذي يتربع في الجزء الأمامي من فص الدماغ المليء بالدهون والدم. مقهى بسيط، رائحة القهوة الزكية تفوح المكان، صوت الموسيقى الهادئة تتناثر في أرجاء المكان، الموجات الصوتية للموسيقى تسير بذبذبات متسقة متناسقة مطيعة لقانون معين لا تستطيع أن تدب عنه، كيف لها وهي عبارة عن موجات لا حول لها ولا قوة، لا تستطيع الكائنات الحية معرفة وجودها سوى بحاسة واحدة، لا تختلف تعقيدا عن عقد الثمانينات الميلادية. فتاة في زاوية المقهى تبدو منسجمة في قراءة رواية متوسطة الحجم، غلاف الرواية أبيض اللون، وعليه رسم تفاحة حمراء فوق طاولة خشبية، تقع التفاحة في زاوية الطاولة، تبدوا التفاحة مهملة وكأن شخص عديم الإحساس ألقاها بلا عناية بعد أن أخذ منها قضمة بأسنانه كان كفيلة بأن تنزع ثمن التفاحة وتتركها حزينة! كانت الفتاة تُمسك الرواية بيدها اليسرى في الجزء السفلي منها، وتسند رأسها الصغير بقبضة يديها اليمنى التي هي الأخرى تتكئ على طاولة خشبية، تختلف عن التي في غلاف الرواية بأنها حقيقية! ملامح الاندهاش والانسجام تعلوا محياها، شعرها كان مهمل، ملابسها تعكس بساطتها المادية، بنطالون عليه بعض الرقع في الجهة اليمنى منه، بلوزة بسيطة خضراء اللون، عليها شعار أحد الجامعات المحلية، كانت في الثلاثين من عمرها، العمر الذي يود الكثير ممن تعدى العقد السادس أن يعود له، لن يعود الشباب يوميا ولن يخبره المشيب بما فعل!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سمفونية الوداع الحزينة

مستجدات :) ..