صبر لم أعد أطيق صبره - الجزء الثاني-
صباح جديد، بشكل
بطيء أفتح جفني عن تلك العينين الباهتتين والألم لازال في عيني اليسرى التي أصبحت
تتصرف بشكل مستقل وتقوم بحركات غير منتظمة تكون في أقصاها عندما يفصحني الطبيب
باستخدام حركة يديه والكشاف المعلق في معطفه الأبيض الطويل. أول ما أرى أمامي
عندما أفتح عيني في هذه الغرفة صورة الطفل الصغير ذو العرق الأبيض، ربما من أصول
أوروبية عمره لا يتعدى السنة ليس عليه أي ملابس تغطي جسده الناعم يجلس على بساط
أبيض في وسط حديقة عشبية خضراء. كم أحسد ابتسامته البريئة، لم يبلغ عمرا حتى يتعلم
كيف يبتسم ابتسامه صفراء، ابتسامته نقية طاهرة وكأنها مرآة تعكس ما يجول في خاطره.
بجانب هذه الصور ساعة دائرية الشكل، حوافها باللون الأسود وبساطها باللون الأبيض،
والأرقام العربية من واحد إلى اثني عشر. سألت نفسي لماذا تستخدم الشكل الهندسي –
الدائرة – لصنع الساعات؟ ربما لما في داخل هذه الساعات من سندانات بشكل مرتبة بشكل
منتظم لتكون دائرة تحتل الجزء الذي لا يُرى من الساعة، أو لاستغلال المساحة
المفرغة من الدائرة. تخيل لو أن الساعة بشكل مستطيل أو مربع أو معين، قد يبدو شيء
شاذ لم نعتد عليه، كما لو أنك تتخيل أن التلفاز بشكل دائري أو عدسات النظارة بشكل
معين. هذا لا يعني بالتأكيد أن هذه الأمور لا يمكن أن تصبح على أرض الواقع، ولكن
بالتأكيد تعكس ما اعتادت عليه أعيننا منذ طفولتنا وما جرى عليه العرف بأنه من
المسلمات.
الساعة تشير إلى
السادسة وخمس وأربعين دقيقة صباحًا، تبًا لست معتاد على الاستيقاظ في هذا الوقت
المبكر، لكن ساعتي البيولوجية أصبحت عجوز هرمة، لا تفقه حتى الأسئلة التي تسألني
إياها الممرضة كل يوم، - ما هو اسمك الكامل؟ - ما هو تاريخ اليوم؟ - هل تعلم أين
أنت الآن وفي أي مدينة؟، نفس الأسئلة كل يوم ونفس الإجابات المملة التي تخرج من
حبالي الصوتية بنفس النبرة ومستوى الصوت. خمس دقائق وتأتي الممرضة التي تعمل في
المختبرات الطبية والتي تحتوي على عشرات العينات من مختلف المرضى يقوم الموظفون
فيها بفحص عشرات الفحوصات والتي تتباين في تكلفتها من قيمة وجبة فطور في مطعم
متواضع إلى قيمة ساعة سويسرية الصنع لا يقتنيها إلا صاحب مال وجاه. الجميع هنا
يلتزم بآداب الاستئذان، يا ترى هل لكي يخففوا على المرضى ما هم فيه من حزن وألم، أم
أنها سياسة مشفى يُعاقب من يخالف هذه التعليمات. تقوم بسحب الدم من وريدي الهزيل
تقوم بتعبئة عدة عبوات صغيرة بدم غامق اللون، يميل للسواد أكثر من ميله للون
الأحمر. خلال دقائق تستأذن بالانصراف.
أسترق النظر من النافذة التي تسمح لضوء الشمس
بالدخول إلى أرجاء الغرفة الحزينة. أراقب الأشعة وأتذكر أحد النقاشات في أحد الكتب
التي قرأتها حول ماهية الضوء هل هو مادة أم طاقة. فإن كان مادة فما يفسر تحويل
"المادة" إلى شكل آخر من الطاقة. وإن وافقنا إسحاق نيوتن وألبرت
أينشتاين بأن الضوء هو مادة وتحمل خصائص المواد وما يدعم هذه النظرية هو انعكاس
الضوء وانكساره إذا لامس سطح الماء. الماء الذي لم يعد له أهمية بالنسبة. تمر أيام
ولَم أذق طعم الماء أصبح يسبب لي غثيان لا أطيقه. أعود للمنظر الذي تطل عليه غرفتي
في الدور الحادي عشر. هو منظر لحديقة المشفى. حديقة أبعادها لا تتعدى عشرة أمتار
في كل ضلع من أضلاعها المربعة. تتوسطها أرجوحتان وبعض مجسمات لحيوانات مختلفة. فيل
وزرافة وحصان بلا أقدام أو أرجل يتمركزون على لولب حديدي أصفر اللون لكي يحافظ على
زاوية ميلان محددة لهذه الجوامد قانون فيزيائي لا تملك هذه الحيوانات أن تفر منه.
في أرجاء الحديقة عدة أشجار منتظمة في الترتيب تحوط الحديقة وكأنها سُوَر أخضر
يمنع الحيوانات من الهرب في حال تمكنها من كسر قانون الفيزياء. يفصل الحديقة
ومواقف السيارات شارع بعرض عشرة أمتار على الأكثر أكثر ما يكون ازدحاما في ساعات
الصباح الأولى. الكل في عجل الكل متذمر ويريد أن يصل إلى المشفى قبل دقائق من
دخوله إلى بوابته التي يحرسها حارس مسكين أكبر همه ماذا سيطعم أطفاله في الغد. وهل
سيتأخر المعاش عليه كم حصل له أكثر من مرة واضطر أن يسأل القريب والبعيد من أجل لقمة
العيش.
يتبع..
يتبع..

تعليقات
إرسال تعليق